السيد محمد الصدر
183
ما وراء الفقه
إذ لا يجب الحج بالاستطاعة إلَّا مرة واحدة في العمر . وحمله على الاستحباب في الرواية غير محتمل أيضا ، لوجود قرينتين على الوجوب . إحداهما : قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : لو قلت نعم ، لوجب . مع كون السياق دالا على قوله : نعم ، فيما استطاع الفرد من مصاديق الحج ولو في عدد من السنين . فيكون كل ذلك واجبا . ثانيتهما : قوله : فأتوا . وهو ظاهر في الوجوب . كما يقال في أمثاله في علم الأصول . فتكون النتيجة أنه مع استطاعة الحج عدة مرات . فإنه يتعين الإتيان به مكررا . وحيث أن هذا غير محتمل فقهيا ، فيكون هذا المضمون مسقطا للرواية سندا أو مخرجا لها عن الحجية أساسا . حتى لو كانت تامة السند في نفسها ، فكيف ما إذا لم تكن كما هي عليه الآن . الناحية الرابعة : وهي بمنزلة النتيجة لو تنزلنا وقللنا المقدمات التي اختارها المشهور في النواحي الثلاث الأولى . وهي وجوب الإتيان بما بقي ممكنا بعد تعذر الإتيان بالمجموع ، المأمور به شرعا . أي أن المراد من ( ما ) في قوله ( ما استطعتم ) الموصول ، بمعنى المقدار الذي استطعتم . وليس الظرفية ، أو المصدرية ونحوها من معاني هذا الحرف . وهذا هو الأظهر فعلا من هذا الحرف . فتكون النتيجة بعد التنزل مما سبق صحيحة . غير أننا نريد التنبيه على تعذر الجمع بين حمل الرواية على الاستحباب في طرف ( الكل ) الذي هو مفاد قاعدة الميسور . فإننا إن حملناها على الوجوب في ( الكل ) تعين ذلك في ( الكلي ) أيضا . وهو غير محتمل . وإن حملنا على الاستحباب في ( الكلي ) تعين حمله عليه في طرف ( الكل ) أيضا ، فيسقط الاستدلال بالرواية . لأنه يكون دالا على استحباب الإتيان بالباقي بعد تعذر بعض أجزائه . والمشهور يريد إثبات الوجوب لا الاستحباب .